المحاصصة تطاول (مجلس الخدمة الاتحادي)

المقاله تحت باب  قضايا
في 
29/08/2013 06:00 AM
GMT



عن (نقاش) 
اعتراضات لا تنهي تلك التي ظهرت في البرلمان على المرشحين لعضوية مجلس الخدمة الاتحادي الذي من المفترض أن يكون مستقلاً ويعمل لإنهاء الفساد في التوظيف الحكومي لكنه لم يسلَّم من المحاصصة.
 
البرلمان العراقي أقرّ مشروع قانون تشكيل مجلس الخدمة الاتحادي قبل أربع سنوات وتحديداً في آذار (مارس) 2009، إلا إن الخلافات بشان حصة الأحزاب في أعضائه التسعة أرجأت دخوله حيز التنفيذ كل هذه المدة.
 
يقول النائب عن كتلة "الأحرار" التابعة إلى التيار الصدري جواد الجبوري لـ "نقاش" إن "تأخير مجلس الوزراء تسمية أعضاء المجلس طيلة هذه المدة جاء بسبب اعتراضات بعض الأحزاب التي تسعى لاحتكار الوظائف لأعضائها ومناصريها".
 
وقبل أيام أرسلت الحكومة قائمة بأسماء المرشحين لعضوية المجلس، وما أن وصلت إلى البرلمان واطلع عليها قادة الكتل النيابية حتى بدأت الاعتراضات تظهر هنا وهناك.
 
المادة 104 من الدستور العراقي نصّت على "تأسيس مجلس يحمل تسمية مجلس الخدمة العامة الاتحادي، يتولى تنظيم شؤون الوظيفة العامة الاتحادية بما فيها التعيين والترقية وينظَّم تكوينه واختصاصاته بقانون".
 
وبعد جدل واسع برز عام 2009 حول الفساد الذي انتشر في المؤسسات الحكومية وآلية التوظيف فيها نجح البرلمان في إقرار مشروع القانون تحت ضغوط منظمات المجتمع المدني والسخط الشعبي بسبب تفاقم معدلات البطالة.
 
الجدل تركز حول صعوبة حصول خريجي الجامعات والكليات على وظائف حكومية مقابل توفير الأحزاب لوظائف يتم شرائها بمبالغ مالية تبدأ بألف دولار وقد تنتهي بعشرين ألف دولار أو أكثر في حال كانت الوظيفة لمنصب هام، إذ يتم إدارة شبكات التوظيف تلك من قبل سماسرة ومتنفذين في الأحزاب سواء كانت في سلك القوات الأمنية أو الوظائف المدنية.
 
وتنص المادة الثانية من قانون المجلس على أن "يؤسس مجلس يسمى مجلس الخدمة العامة الاتحادي، يرتبط بمجلس النواب ويتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري ويمثله رئيسه أو من يخوله".
 
أما المادة الثالثة فنصت على أن المجلس يهدف إلى "رفع مستوى الوظيفة العامة وإتاحة الفرص المتساوية وضمان مبدأ المساواة للمؤهلين لإشغالها، ورفع وتطوير كفاءة موظفي الخدمة العامة".
 
وبشان هيكلية المجلس توضح المادة الخامسة من القانون على أن "يتكون المجلس من رئيس ونائب للرئيس وسبعة أعضاء متفرغين ممن يحمل شهادة جامعية أولية على الأقل على أن يكون اثنين منهم في القانون واثنين في الإدارة والاقتصاد، وواحد في كل من الطب والهندسة والزراعة.
 
لكن قائمة المرشحين المرسلة من الحكومة لشغل أعضاء هذا المجلس تبين بأنهم يتبعون للأحزاب الكبيرة، ما يعني إن المجلس خضع لنظام المحاصصة الطائفية بين الأحزاب مثل باقي المناصب السياسية الأخرى.
 
قائمة المرشحين ضمت خمسة أعضاء من كتلة "التحالف الوطني" الشيعية، واثنان من "السنة" واثنان من الأكراد، فيما دار الخلاف حول رئاسة المجلس حيث يسعى حزب "الدعوة" لاحتكارها لنفسه.
 
ويروي مصدر نيابي لـ "نقاش" طلب عدم ذكر اسمه تفاصيل ما جرى في اجتماع جمع رؤساء الكتل البرلمانية مع اللجنة القانونية المختصة بدراسة القوانين، وقال إن الكتل السياسية فوجئت بأن غالبية المرشحين من "ائتلاف دولة القانون" التابع لرئيس الحكومة نوري المالكي.
 
إضافة إلى ذلك تشير القائمة إلى أن رئيس المجلس من حصة حزب "الدعوة" ونائبه من نصيب حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة رئيس الجمهورية جلال طالباني.
 
ممثل كتلة "العراقية" النائب سلمان الجميلي كان أبرز المعترضين في الاجتماع بحسب المصدر، وطالب المجتمعين بأن تكون رئاسة مجلس الخدمة من حصة كتلته وهو ما أرجأ إقرار تشكيل المجلس حتى إشعار آخر بانتظار التوافق السياسي.
 
المحاصصة الطائفية المقرونة بالتوافق السياسية فرضت نفسها مجدداً على مجلس ينبغي أن يكون مستقلاً، وأصبح حاله حال العديد من الهيئات المستقلة في العراق إذ يديرها أعضاء في الأحزاب الكبيرة النافذة في البلاد.
 
ومن هذه الهيئات النزاهة، وحقوق الإنسان، ومفوضية للانتخابات، والبنك المركزي العراقي، والإعلام والاتصالات، ودواوين الأوقاف السنية والشيعية والمسيحية، أصبحت جميعها هيئات مستقلة بالتسمية فحسب.
 
ولكن مجلس الخدمة الاتحادي له أهمية تتعدى أهمية هذه الهيئات، إذ يرتبط بالوضع الاقتصادي في البلاد ويهم شريحة واسعة من العراقيين وهم العاطلين عن العمل الذين يبلغون مئآت الآلاف.
 
وفي حال تشكيل هذا المجلس فإن جميع الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية ستكون ملزّمة بإبلاغ المجلس الجديد عن حاجته من الموظفين ونوعية الكفاءة المطلوبة فيما يقوم المجلس بالإعلان عن الوظائف وهو الذي يقوم بالمقابلات واختيارهم وإرسالهم إلى الوزارات.
 
ويرى النائب عن كتلة "التحالف الكردستاني" محسن السعدون لـ "نقاش" إن "تشكيل المجلس سيسهم أيضا في القضاء على هجرة الكفاءات التي لا تجد لها عملاً داخل العراق".
 
وتنص المادة التاسعة من قانون مجلس الاتحاد على إن من صلاحية المجلس "التعيين وإعادة التعيين والترقية في الخدمة العامة ويكون ذلك من اختصاص المجلس حصراً وعلى أساس معايير المهنية والكفاءة".
 
من اختصاصات المجلس الأخرى بموجب هذه المادة اختبار مؤهلات الأشخاص المراد تعيينهم أو إعادة تعيينهم في المقابلة أو الامتحان التحريري للوقوف على صفاتهم ولياقتهم ويستثنى من ذلك من له خدمة سابقة في وظيفة مثبت فيها أو يحمل شهادة عالية إلا إذا كان عدد المتقدمين للوظائف المطلوب إشغالها أكثر من عدد تلك الوظائف.
 
ويطالب الخبير الاقتصادي باسم جميل أنطوان في حديث مع "نقاش" بضرورة إدارة ملف التوظيف بشكل دقيق وبعيد عن النزاعات السياسية والطائفية والتركيز على الكفاءة والنزاهة والخبرة وفي حال تحقيق ذلك سينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني.
 
ولكن مبدأ المحاصصة بين الأحزاب الكبيرة لا يمنح العراقيون تفاؤلا ًفي إمكانية تشكيل المجلس بشكل مهني ومستقل، فيما يتوقع مراقبون انه حتى في حال تشكيل المجلس فانه لن يقوم بالمهام المكلَّف بها بالشكل المطلوب.